مـيـرا جـزيـنـي - لـيـبـانـون فـايـلـز
شكّل توقيت الغارات الإسرائيلية الواسعة والأعنف منذ أسابيع على محيط المصيلح – النجارية...
بالتزامن مع التحضيرات الجارية لعقد المؤتمر الدولي في شرم الشيخ هذا الأسبوع احتفاءً ببدء تنفيذ اتفاق غزة، مؤشراً بالغ الدلالة في السياق الإقليمي.
فالرسالة الإسرائيلية تتجاوز البعد العسكري الميداني إلى محاولة فرض معادلة سياسية جديدة مفادها:
أن الانفراج في غزة لا يعني بالضرورة انسحاب التوتر عن الجبهة اللبنانية.
ما لم يتحقق الهدف الاستراتيجي الذي تصبو إليه تل أبيب، أي نزع سلاح حزب الله كلياً ونهائياً.
تنطوي القراءة اللبنانية لهذا التطوّر على قلق عميق، إذ بدا أن إسرائيل أرادت عبر عملية المصيلح...
أن تبلغ لبنان مباشرة أن اتفاق غزة لن يُترجم تهدئة على حدودها الشمالية.
وأن لبنان سيبقى في دائرة الضغط ما دام الحزب يحتفظ بقدراته العسكرية.
يعيد هذا الموقف فتح الباب أمام مرحلة بالغة الحساسية، تُختبر فيها قدرة الدولة اللبنانية على احتواء التصعيد...
ومنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة لا تملك مقوّماتها السياسية أو الاقتصادية أو الدبلوماسية.
على الأرض، جاءت الغارات لتؤكد حجم التصعيد المقصود:
12 غارة مركّزة أسفرت عن تدمير أكثر من 300 آلية وجرافة ومعارض تجارية، وقطع الأوتوستراد الحيوي الرابط بين صيدا وصور.
هذا الكمّ من الدمار يوحي بأن الهدف لم يكن عسكرياً صرفاً، بل توجيه ضربة رمزية واقتصادية موجعة...
لمناطق تُعدّ حاضنة اجتماعية وسياسية لمحور المقاومة، وبالتالي إيصال إنذار مزدوج إلى الحزب والدولة معاً.
ويأتي في هذا السياق إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن "الحرب لم تنته لأن بعض أعدائنا يبني قدراته ويستعدّ للهجوم علينا"...
كدليل إضافي على أن إسرائيل تستعد لمرحلة تصعيد جديدة، لا تسعى فيها إلى وقف إطلاق نار شامل.
بل إلى تثبيت معادلة ردع بالقوة، تبُقي لبنان تحت ضغط مستمر وتفرض على الساحة الداخلية إرباكاً سياسياً وأمنياً متصاعداً.
فتصريحات نتنياهو تعكس بوضوح أن إسرائيل تعتبر أي تهدئة موقتة في غزة فرصة لإعادة ترتيب أوراق المواجهة في الجبهة الشمالية.
مما يجعل الجنوب مجدداً في صدارة الاستهداف الاستراتيجي.
سياسياً، يضع هذا التطور لبنان أمام اختبار بالغ الخطورة، إذ لن تكفيه بيانات الإدانة أو مظاهر التضامن.
بل بات مُطالباً بإعادة قراءة موازين الردع، واستنفار قنواته الديبلوماسية لحماية حدوده من الانزلاق إلى حرب بالوكالة عن صراعات الآخرين.
فالتصعيد الإسرائيلي في هذا التوقيت بالذات، عشية حدث دولي يُفترض أنه يكرّس مسار التهدئة...
يعني أن تل أبيب تسعى لإبقاء لبنان ورقة ضغط احتياطية في الميدان، فيما تتقدّم تسويات غزة نحو التنفيذ.
بهذا المعنى، قد تكون غارات المصيلح فاتحة مرحلة جديدة من "الفصل بين الجبهات" الذي تريده إسرائيل، ولكن بثمن لبناني باهظ.